الأربعاء , سبتمبر 30 2020
الرئيسية / الثقافة / “كومبي صالح” عاصمة مملكة غانا

“كومبي صالح” عاصمة مملكة غانا

 

 

 

 

 

 

 

في الجزء الشرقي من جمهورية موريتانيا (ولاية الحوض الشرقي)، وعلى بعد أكثر من 960 كلم جنوب شرقي العاصمة نواكشوط، تقع مدينة (كُمبي صالح) الأثرية، التي تعتبر من أقدم المدن في المنطقة، وتكتسب أهميتها من كونها في السابق عاصمة لمملكة غانا التاريخية.
وتعتبر غانا أول امبراطورية عرفتها إفريقيا جنوب الصحراء، أو بلاد السودان في العصر الوسيط، وترجع بعض المصادر تاريخ تأسيسها إلى القرن الأول الميلادي( )، على يد قوم من البيض، أو البربر، سرعان ما أزاحهم عن الحكم أعيان القبائل الزنجية، ولكن جل تاريخها المنقول إلينا يبدأ من القرن العاشر الميلادي، حيث عُرفت في تلك الفترة بوصفها مملكة سوداء فتية.
وقد نقلت إلينا المعرفة عن مملكة غانا بفضل ما كتبه عنها المؤرخون والجغرافيون والرحالة العرب، من أمثال الفزاري الفلكي، المتوفى سنة (180هـ/796م) الذي ذكر غانا وأسماها (بلاد التبر)، كما وجدنا تحديداً لغانا عند الخوارزمي المتوفى عام (232هـ -847م) في خريطته التي نقلها عن بطليموس، وفي (كتاب البلدان) تكلم اليعقوبي، المتوفى عام (284هـ -897 م)، عن ملك غانا العظيم الذي تحوي أرضه معادن التبر، كما كتب عنها ابن حوقل المتوفى سنة (367 هـ -977م) في كتابه (المسالك والممالك)، واصفاً إياها بأنها أغنى ممالك العالم.
وذكر غانا أيضاً الأصطخري في (مسالك الممالك)، والمسعودي في (مروج الذهب ومعادن الجوهر)، والبيروني في (الآثار الباقية عن القرون الخالية).

نشأة كمبي صالح:
يرجع أول ظهور للمدينة – التي عرفت فيما بعد بكمبي صالح – إلى القرن الثالث الميلادي عندما سيطرت قبائل المانديغ الوثنية على طرق القوافل التجارية بين أوداغست، وتمبكتو، حيث شيدوا المدينة التي أصبحت فيما بعد عاصمة لمملكة غانا الوثنية، وحملت نفس اسم المملكة.
أوج ازدهار المدينة كان في القرن السابع الميلادي، وبوصفها عاصمة للامبراطورية اكتسبت قوة سياسية، حيث خضعت لسلطتها كل الممالك التي كانت تحيط بها، وهي ” أوداغست” و “التكرور”.. كما اكتسبت أهمية اقتصادية، حيث كان لموقعها بين مناجم الذهب ومقالع الملح، دورا هاما في ازدهارها، فكانت المدينة معبرا لقوافل التجارة الصحراوية التي تتنقل، إلى شمال إفريقيا وبلاد السودان.
وكانت أغلبية سكان الامبراطورية عموماً، من جماعة “البافور” الذين ينحدرون من أصول عرقية سوداء مختلفة، بالإضافة البربر الرعاة وغالبهم من صنهاجة، ومع حلول القرن الحادي عشر الميلادي وصل عدد سكان المدينة حوالي 30 ألف نسمة مجسدة أكبر مدينة في القارة الإفريقية حينها.

الإسلام في كمبي صالح
دخل الإسلام إلى مملكة غانا في بداية الأمر عن طريق التجار وهجرات العرب والبربر، الذين استوطنوا مدن المملكة، وخاصة العاصمة، وبحلول القرن الحادي عشر الميلادي كانت مدينة مختلطة عرقيا ودينيا، وظل عدد المسلمين يتكاثر يوما بعد يوم، حتى كان شطر العاصمة الجنوبي يعرف بالحي الإسلامي، بينما يعرف الشطر الآخر بالحي الامبراطوري.
وتبوأ العرب المسلمون في مملكة غانا مكانة كبرى، حتى أن البكري في “المسالك والممالك” يشير إلى أنهم بلغوا مناصب كبرى في البلاط الملكي، خاصة في عهد الملك “بسي” وخليفته “تنكامنين”، حيث كان منهم الوزراء والمستشارين، وأن في قصر الملك مسجد يصلي فيه من يفد عليه من المسلمين، بل إن عدد المساجد في الحي الإسلامي بلغ اثنى عشر مسجدا، وفي كل مسجد مدرسة للعلم، وبئر عذبة يحرثون بجنبها الفواكه والخضروات.( )
ومن أهم الهجرات العربية التي شكلت الوجود الإسلامي في المدينة، هجرة بني صالح الهاشميين، الذين تبوأوا مكانة كبرى في المملكة، وهم الذين ينسب إليهم اسم المدينة (كمبي صالح)، أي مدينة صالح، ففي البدء حمل الحي الاسلامي من العاصمة هذا الاسم، قبل أن يصبح لاحقا علما على العاصمة بأكملها، وذلك أن الحي الاسلامي كان تحت ملك وإشراف بني صالح يحكمونه حكما ذاتيا ويخضعون إداريا لملوك غانة الوثنيين من صدر القرن الخامس الهجري حتى عجزه ، حيث تسنى لهم ملك الدولة عامة ( ).
وفي العام 1076م اجتاحت جيوش المرابطين امبراطورية غانا، التي لم تستطع أن تصمد أمام هذه الدولة الإسلامية الفتية، فدخلوا العاصمة وخربوها، وبعد تلك الهزيمة عادت غانا للظهور مرة أخرى، ولكن دون أن تتمكن استرجاع ما كانت عليه من عز وقوة، إذ لحقتها هزيمة جديدة من قِبَل مملكة سوسو، قبل أن تسيطر عليها امبراطورية مالي حوالي عام 1204 م ( ).

بنو صالح ملوك كمبي صالح:
وبنو صالح الدين تنسب إليهم مدينة كمبي صالح هم من الأشراف الحسنيين، وما زالوا موجودين في موريتانيا حتى اليوم، وقد ذكرهم ابن خلدون في تاريخه عند حديثه عن (نسب الطالبيين وذكر المشاهير من أعقابهم)، حيث قال (ومنهم بنو صالح بن موسى بن عبد الله الساقي، ويلقب بأبي الكرام بن موسى الجون، وهم الذين كانوا ملوكاً بغانة من بلاد السودان بالمغرب الأقصى، وعقبهم هناك معروفون) ( )
وبعد سقوط غانا، وانتقال القبائل الزنجية جنوباً، أصبحت المدينة تحت حكم بني صالح، الذين أسسوا مملكتهم الخاصة، وبنو مدينة كمبي صالح  الحالية، لتكون عاصمة لهم، وكان ذلك حوالي في مطلع القرن السادس الهجري، وكانت مملكة بنو صالح تتبع إسمياً للخليفة العباسي في بغداد، وتدعو له على المنابر.
وقد ذكر مملكة بني صالح هذه، الشريف الإدريسي، من علماء القرن السادس الهجري، في كتابه (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) مطلقاً عليها اسم غانا، حيث قال (وغانة مدينتان على ضفتي البحر الحلو من بلاد السودان… وملكها، فيما يوصف، من ذرية صالح بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو يخطب لنفسه لكنه تحت طاعة أمير المؤمنين العباسي، وله قصر على ضفتي النيل قد أوثق بنيانه وأحكم اتقانه، وزُيِّنت مساكنه بضروب من النقوشات والأدهان وشمسيات الزجاج، وكان بنيان هذا القصر في عام عشرة وخمسمائة من سني الهجرة)( )  ويشير بعض الباحثين إلى أن الملك الذي ذكره الإدريسي هو الشريف هلال الدمشقي، حفيد عبد الله بن صالح مؤسس (كمبي صالح).

كمبي صالح في عهد امبراطورية مالي:
بعد سقوط غانا، تحررت الممالك الصغيرة التي كانت خاضعة لحكمها، وأصبحت تتصارع من أجل السيطرة على ممتلكات الامبراطورية المنهارة، خاصة مناجم الذهب والملح، الذي كان سبباً لقوة غانا الاقتصادية، وكان الصراع على أشده بين مملكتي (سوس) و(حارا). وفي ظل ذلك السباق، وقعت كمبي صالح، لفترة تحت قبضة ملك السوس «سمارى كانته»، الذي جعل المدينة ثكنة لجيوشه ومنطلقاً لعملياته العسكرية، ولكن الأرض لم تخلص في يوم من الأيام لواحدة من الممالك المتنازعة.
وفي القرن الثالث عشر نشأت في أرض الماندن مملكة فتية هي امبراطورية مالي، التي نشأت على انقاض غانا، لتشهد مدينة كمبي صالح  صعوداً جديداً وازدهاراً كبيراً، خاصة في عهد الملك المسلم منسا موسى الأول (1280 – 1337)، الذي يعتبر أغنى رجل في تاريخ العالم وفق تقارير نشرت مؤخراً.

وصف كمبي صالح:
وصف ابن خلدون كومبي صالح بأنها (من أعظم مدائن العالم وأكثرها معتمرا، وكانت المباني في المدينة من الطين والحجارة والخشب، والمدينة ذات شوارع مستقيمة ومنظمة)( ).
ويصف ابن حوقل المدينة في عهد مملكة غانا قائلاً (يسكنها التجار من العرب والبربر، وبها فقهاء وعلماء أجلاء ومساجد كثيرة، منها جامع تؤدى فيه صلاة الجمعة)( ).
ولا تزال شواهد المدينة التاريخية قائمة، وتظهر بعض الأسوار، وبعض الشوارع، وبقايا لأساسات أبنية . لكن تبقى المصادر شحيحة حول أغلب ما يتعلق بهذه الشواهد.

مدينة مندثرة
والآن لم يتبق من كمبي صالح القديمة، إلّا أطلال متناثرة على سهل رملي ذي غطاء شجري خفيف الكثافة، وبالقرب من قرية تحمل اسم (الصحبي)، ومدينة أخرى تحمل نفس الاسم القديم، هي عاصمة لبلدية (كمبي صالح) الريفية، إحدى البلديات الخمس التابعة لمقاطعة (تمبدغة) الموريتانية.
وقد اكتشفت المدينة التي دفنتها الرمال، في عام 1913، وتحولت إلى مركز للحفريات وقبلة لعلماء الآثار من جميع أصقاع المعمورة، بعد أن أميط اللثام عن المخطط العمراني للمدينة، وبعض مواقعها ومراكزها القديمة، إلا أن أعمال الحفريات والبحوث الميدانية توقفت منذ سنة 1979، عقب الإطاحة بنظام الرئيس الراحل المختار ولد دادة  أول رئيس لموريتانيا عام 1978، ولم تسجل أبحاث حفرية وعلمية منذ  ذلك الحين، لتعود المدينة الأثرية إلى سباتها تحت الأرض، في انتظار مستكشفين جدد، وإرادة لسبر أغوار هذه المدينة التي يرجح أنها لعبت دوراً أكبر بكثير مما هو موثق ومشاع ( ).

عن admin

شاهد أيضاً

وثائقي الرابطة : دعوة لإنقاذ كومبي صالح من النسيان